صديق الحسيني القنوجي البخاري

412

فتح البيان في مقاصد القرآن

السائلون عنها هم أولئك المنافقون والمرجفون والمشركون واليهود لما توعدوا بالعذاب سألوا عن الساعة استبعادا وتكذيبا ، أو امتحانا ، لأن اللّه تعالى عمى وقتها في التوراة وسائر الكتب قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ يعني أنه سبحانه قد استأثر به ولم يطلع عليه نبيا مرسلا ولا ملكا مقربا . وَما يُدْرِيكَ أي ما يعلمك ويخبرك يا محمد لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً أي في زمان قريب وانتصاب قريبا على الظرفية والتذكير لكون الساعة في معنى اليوم ، أو الوقت مع كون التأنيث ليس بحقيقي ، والخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لبيان أنها إذا كانت محجوبة عنه لا يعلم وقتها - وهو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم - فكيف بغيره من الناس وفي هذا تهديد عظيم للمستعجلين وإسكات للممتحنين والمشركين ؛ ولمن يثبت علم المغيبات للأنبياء والصلحاء وغيرهم من الخلق . إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ أي طردهم وأبعدهم من رحمته وَأَعَدَّ لَهُمْ في الآخرة مع ذلك اللعن منه لهم في الدنيا سَعِيراً أي نارا شديدة التسعّر خالِدِينَ فِيها أي في السعير لأنها مؤنثة أو لأنه في معنى جهنم أَبَداً بلا انقطاع وهذا تأكيد لما استفيد من خالدين لا يَجِدُونَ وَلِيًّا يواليهم ويحفظهم من عذابها وَلا نَصِيراً ينصرهم ويخلصهم منها . يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ أي اذكر قرىء تقلب بضم التاء وفتح اللام على البناء للمفعول وقرىء بالنون وكسر اللام على البناء للفاعل ، وهو اللّه سبحانه وبضم التاء وكسر اللام على معنى تقلب السعير وجوههم وقرىء بفتح التاء واللام على معنى تتقلب ، ومعنى هذا التقلب المذكور في الآية هو تقلبها تارة على جهة منها وتارة على جهة أخرى ظهرا لبطن أو تغير ألوانهم بلفح النار فتسود تارة وتخضر أخرى أو تبديل جلودهم بجلود أخرى وخصت الوجوه لأن الوجه أكرم موضع على الإنسان من جسده أو يكون الوجه عبارة عن الجملة فحينئذ . يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا الجملة مستأنفة كأنه قيل فما حالهم ؟ فقيل يقولون : متحسرين على ما فاتهم أو حال من ضمير وجوههم أو من نفس الوجوه تمنوا أنهم أطاعوا اللّه والرسول وآمنوا بما جاء به لينجوا مما هم فيه من العذاب كما نجا المؤمنون وهذه الألف في الرَّسُولَا والتي تأتي في السَّبِيلَا هي الألف التي تقع في الفواصل ، وتسميها النحاة ألف الإطلاق ، لإطلاق الصوت كقوافي الشعر ، وفائدتها الوقوف والدلالة على أن الكلام قد انقطع وأن ما بعده مستأنف ، وقد سبق بيان هذا في أول هذه السورة . وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا وقرىء ساداتنا بكسر التاء جمع سادة فهو